
أ.د.محمدن سيدأحمد
إكرام الضيف من العادات المتجذرة في ثقافة العرب وسجية مطردة يتسابقون في ذلك ويتفاخرون به ومع الوقت أصبحت الضيافة هي أساس المجد فمن وفق لذلك نال خيرا كثيرا ومجدا عظيما ومن لم يوفق فيها أخفق في تسنم ذرى المجد ، وفي هذه الصحراء كانت الضيافة هي أكثر ما يخبر عن الإنسان في الصحراء وكانت هي قناة الإعلام ووسيلة الإذاعة لأن الضيف مخبر من لقيه عن معاملته .
إن أكثر من أسرع بهم المجد في هذه البلاد هم أولئك الذين يقيمون وزنا للضيافة وأغلب من أبطأ بهم السير في طريق المجد هم أولئك الذين لا يكترثون ولا يهتمون بالأضياف وأكثر الهجاء الذي خلد في دفاتر الأيام عند البحث في أسبابه نجد أنه مرتبط بالضيافة يقول الذيب الحسني الصغير وقد نزل عند رجل ولم يكرمه :
أَدام نعمتك المولى وَخلّدها :: غاظتك وَلْجَةُ ضيف ما تَعَمَّدَها
وَافاكَ من بعد ما قد بات مُعْتَسِفًا :: يرمي به فدفد الموماة فدفدها
وافى وسلَّم لم تعبأ بزورته :: وقال لفظةَ تسليم وَرَدَّدَها
فضقت ذَرْعًا به حتى هممت به :: إن المقادير لا تثني يدٌ يدها
وبات في ليلة ليلاء منكشفا :: للَّه ما كان أنداها وأبردها
إِنّ البشاشة للأضياف مذْ زمن :: مَاتت برحمته المولى تغمَّدها
وقال أيضا حين نزل على امرأة فلم تعبأ به ولم تهتم لأمره مخاطبا زوجها :
أبلغ محمد محمود تحيتنا :: وقد يحيي الفتى من ليس يعرفه
بأن مرأ ذرى العلياء منزله :: وواصف المجد بين الناس يوصفه
ما إن يليق به إلا مخدرة :: لصونه العرض مهما غاب تخلفه
فالرأي عندي أن يهدي لزوجته :: هدية من طلاق هي مصرفه
والأشعار في هذا الباب كثيرة وهي عموما ترفع من قدر بعض الناس وتعلي من شأنهم وتخلد ذكرهم بين الناس بينما تحط من قدر آخرين ومكانتهم ولقد خلد الشعر قصصا لمن تألقوا في هذا الجانب واحتفظت الذاكرة الجمعية بجميل صنيعهم ومن أشهر من عرف بإكرام الضيف في هذه البلاد الشيخ محمدو بن حبيب الرحمن الذي كان يكنى ب”أبي الضيفان” لشدة اعتنائه بالأضياف وكذلك الشيخ سيديا الكبير الذي نال أعلى مراتب المجد وقيل إن مبتدأ أمره كان بسبب رفقة أضياف كبيرة نزلت بحيه فأكرمها إكراما عظيما حتى تعجب الناس من صنيعه وقصصه في المجال لا تحصى فقد جاءته امراة تطلب حمارا فقال : اعطوها الحمار كذا ، فقال المكلفون بالأضياف وكانوا يتضايقون منهم : إنه غير حاضر .
فقال : اعطوها الجمل كذا فقالوا لقد حضر الحمار قال : اعطوهما لها معا !
وقد مدح الشيخ سيديا بقصائد كثيرة وعد البعض أمدح بيت في الشعر الشنقيطي قول الشاعر مخاطبا إياه :
حوت ما دون مرتبة التنبي :: يداك من المكارم والمعالي
ونزل الشيخ أحمدو بن أحمذي على بيت رجل فأكرمته المرأة أيما إكرام وأحسنت ضيافته فكتب إليه :
مني إلى السيد التيجاني من جذبَهْ :: نفسٌ له لسبيل الخير مُنجذِبهْ
أسنى سلام وأزكاه فموجبه :: أني أشرت لكم أن ثبّتوا العَتَبَهْ
إن الغريب على علاَّت عائش إمَّا :: زار عائش ينسى أمَّه وأَبَهْ
ماضيع البيت من في البيت خلفها :: كلا ولا عرضه يوما ولا حسبه
والضيافة قسمان ؛ مادية ومعنوية والمعنوي دائما أكبر وزنا في ميزان الحياة من المادي فالضيافة المعنوية تسبق المادية ذلك أن البشاشة وإظهار الفرحة والسرور بالضيف ومجالسته ومجاذبته الحديث كلها من أمور الضيافة المعنوية التي تسبق الضيافة المادية وقد ذكرت لطلابي مرة أن من أحسن أبيات الضيافة والإشادة بالكرم الحاتمي ما ورد في شعر المختار بن حاميدن من قدومه على ابن تيه بن آبني حين قال :
نزلت على ابن تِيّه ضحى فحيا :: وقدم لي القرى شيا وتيا
وصبّ عليّ من علم صحيح :: ومن شيم الندى سيلا أتيا
فثاب إلي بشر وابتهاج :: نفى عني اللتيا واللتيا
فخلت حداثتي رجعت حديثا :: وكنت بلغت من كبري عتيا
فقل للشائب الفاني المعنى :: تعدّ إلى ابن تيه تعد فتيا
فقد أشاد ببشاشته وفرحه ساعة قدومه عليه وذكر الوقت الذي هو الضحى وهو من الأوقات التي قد يتعذر فيها القِرى عند أهل البادية ومع ذلك كان قراه “شيا وتيا” وهذا هو غاية الإكرام والأهم من ذلك عند الشاعر هو الضيافة المعنوية المرتبطة بالمجالسة والمفاكهة في الحديث بأطايب العلم ورطب الفنون الذي رد إليه شبابه وفتوته رغم التقدم في العمر ، هي إذن معاني بالغت في الإشادة بمآثر الرجل العظيمة وخصاله وعلو كعبه في العلم والفضل .
إن قصة أخرى ونصا آخر يعد من روائع النصوص خلدهما التاريخ ذلك أن عبد العزيز بن محمد المامي كان قد فارق زوجته وذهب عنها فنزل عليها سدوم بن انجرتو ضيفا فأكرمته إكراما شديدا وبالغت في ذلك وحين ذهب سأل عن الأسرة ولما علم خبرها قال :
زر اكويدس ذ گال حد :: مجدوب ولاعندومَ
وابعيد من المَ غير بعد :: عند خيمة معلومه
خيمة عَبْدْ العزيز جَرْ :: الدهرْ و تَگْلاَبْ أَصْبَرْ
وَ أرْفُودْ الْوَغْرَ وأَصْمَرْ :: فَسْمَعْ شيعة مَتْمُومَه
ذاكْ الشيعته مايظرْ :: وَ اعْــلَ لَـفْـظُ مَخْدُومَه
شَـاعَــرْ لَجَــاهُمْ يَـنْتظَرْ :: مَــاهُ عَــارَفْ شَــنْهُـومَ
لَسْــبابْ السبَّ تنذكرْ :: ذَاكْ إِجِــيَه يَــتْلَـوْمَ َ
مَــاتَخفَ صَــرَّه تُـونتَرْ :: لَلْعَــارْ اوْلُ مَـلْمـُــومَه
وآرَجْ الزيـْـنْ الْيَنْتْحَـرْ :: وَللَّ عـشْـرَه مَـكعُــومَه
مَـنــحُورَه وَللَّ زادْ مَـرْ :: كُــوبَه وَللَّ مَــخْزُومَه
فلما سمع عبد العزيز ذلك بادر برد المرأة وقال إنه لا يفارق الدهر امرأة تفعل هذا الفعل.