تتربع مقاطعة واد الناقة في سدة الجغرافيا الموريتانية كواسطة عقد فريدة، تجمع بين عراقة المحتد الضارب في جذور التاريخ الشنقيطي وبين الحداثة التي يفرضها قربها الاستراتيجي من مركز القرار، فهي ليست مجرد امتداد ترابي للعاصمة، بل هي فضاء معرفي صان الأمانة العلمية عبر القرون، حيث استقرت في ربوعها المحاظر العريقة التي كانت وما تزال قلاعا للضاد ومناهل للفقه واللغة، مما أوجد رأس مال بشري يتسم بوقار العلماء وحكمة الأدباء، وهو ما يشكل في العرف الأكاديمي بيئة اجتماعية واعية تمثل الضمانة الأولى لأي نهضة تنموية شاملة، إذ إن الإنسان في هذه المقاطعة هو الثروة المستدامة التي سبقت باكتناز المعرفة نضوب الموارد المادية.
وفي سجلات الإباء ومقارعة الاستعمار، تمثل مقاطعة واد الناقة ركنا شديدا في خارطة المقاومة الوطنية، حيث كانت حواضرها ومجالسها العلمية محاضنا للفكر الرافض للهيمنة الأجنبية، ومنطلقا لفتوى التحرر التي زلزلت أركان المستعمر؛ فالمقاومة في هذه الربوع لم تكن مجرد صدام عسكري عابر، بل كانت صمودا ثقافيا وعقائديا استند إلى حصانة المحظرة وقوة الشكيمة، حيث استبسل أبناء هذه المنطقة في الذود عن الحياض، وكانت تضاريسها الوعرة للذي لم يألف أوديتها ولا روابيها ووهادها ومناخها الصعب وسلاسلها الرملية تشكل حصنا منيعا وجدارا تتكسر عليه مآرب الجيش الكولونيالي المدجج بثقيل العتاد وشكلت حصونا طبيعية أعجزت الغزاة وأربكت مخططاتهم، مما جعل من تاريخ المقاطعة فصلا مضيئا في ملحمة الاستقلال، يروي قصص الثبات والتضحية في سبيل الكرامة والسيادة.
وعلى صعيد بناء الدولة الموريتانية الحديثة، برزت واد الناقة كخزان لا ينضب لرجالات الدولة والأطر السامين الذين وضعوا اللبنات الأولى للإدارة الوطنية، فبفضل التكوين الرصين الذي تلقوه في أحضان المحاظر ثم المدارس الحديثة، استطاع أبناء المقاطعة أن يزاوجوا بين الأصالة ومتطلبات التحديث، فكان منهم الوزراء والقضاة والسفراء والمهندسون الذين قادوا مفاصل الدولة بحنكة واقتدار؛ إن هؤلاء “الصناع” لم يكتفوا بتدبير الشأن العام، بل كانوا حراس القيمة والهوية، مساهمين برؤاهم الثاقبة في صياغة المشروع الوطني، مما جعل المقاطعة تتبوأ مكانة “العقل المدبر” في كثير من المحطات التاريخية الفارقة، مبرهنة على أن الثروة الحقيقية تكمن في صناعة الرجال القادرين على صياغة التاريخ وتوجيه دفة المستقبل.
وإذا ما استنطقنا باطن الأرض وظاهرها في هذه المنطقة، لوجدنا أننا أمام خزان اقتصادي هائل يرفد الدولة بأسباب البقاء والنماء، حيث تمثل المقاطعة المورد السيادي الأول للأمن الغذائي للعاصمة في شقي الألبان واللحوم الحمراء، والأسماك وذلك بفضل مزارعها الرعوية التي تستفيد من مناخ “إكيدي” المتميز وجودة مرعاه، وما تزخر به شواطئها من عديد الأسماك ونفيس الثروات، وهو ما يستدعي في المنظور الاقتصادي الحديث تجاوز الأنماط التقليدية للانتفاع نحو التأسيس لصناعات تحويلية كبرى توطن القيمة المضافة في الداخل وتخلق فرص عمل لشباب المنطقة، فضلا عما تختزنه الأرض من ثروات معدنية ومقالع حجرية ورملية كانت هي الرافد الأساس للنهضة العمرانية التي شهدتها البلاد في العقود الأخيرة، مما يجعل من ترابها مادة خاما للبناء والتشييد وصناعة المستقبل. كما لا يفوتنا أنها كانت المنبع الأول الذي روي ظمأ العاصمة في أيام الحر والقر ولا تزال بحيرة “إديني” تشكل رافدا لشبكة مياه الشرب في أنواكشوط.
إن استشراف آفاق التنمية في واد الناقة يفرض علينا رؤية المقاطعة كقطب لوجستي حيوي لا غنى عنه، فهي البوابة التي تمر عبرها شرايين التجارة الوطنية، وموقعها هذا يؤهلها لتكون منطقة خدمات وصناعات غذائية متكاملة تربط بين الإنتاج الريفي والاستهلاك الحضري، مع الحفاظ على صبغتها الروحية والعلمية التي تميزها كوجهة للسياحة الثقافية والمحظرية، حيث تلتقي فصاحة اللسان مع سخاء الأرض، لتشكل في محصلتها نموذجا فريدا للمقاطعة التي تملك من المقومات ما يجعلها قاطرة اقتصادية وفكرية تساهم في رفعة الشأن الوطني، شريطة أن تُوجه إليها الاستثمارات ببصيرة أكاديمية تدرك أن استغلال هذه الثروات هو استثمار في صميم السيادة والأصالة الموريتانية.
فهل وجدت المقاطعة مكانتها اللائقة ضمن استراتيجيات الإصلاح وبرامج التنمية في الحقب الحكومية المتلاحقة؟ وهل يرقى باع الاصلاح بدءا من الحاضر القائم، ليجعل من مواردها رافعة حقيقية للبناء الوطني؟ أم أن قدر هذه الربوع أن تظل ترقب “عصا سحرية” توقظ مكامن ثرواتها، وتنفض غبار التهميش عن كنوزها، في ظل واقع لم يزل يراوح مكانه بين طموحات ورقية وإرادة تنفيذية لم تستنطق بعد عبقرية المكان والذات؟
بقلم الباحث: عبد الله محمدن لوبو
